الاثنين، شباط ١١، ٢٠٠٨

تحية لمهاجمي السفارة الصهيونية في موريتانيا

د. إبراهيم علوش

هل يمكن فصل الهجوم على السفارة الصهيونية في موريتانيا عن تصاعد المشاعر الشعبية العربية والإسلامية تضامناً مع مبادرة جماهير غزة بإسقاط الحدود المصطنعة مع مصر، بتشجيع أهلنا في مصر، وعن تصاعد الجرائم الصهيونية والرسمية العربية بحصار غزة، وفي بقية فلسطين المحتلة؟

بجميع الأحوال، يبقى الهجوم على السفارة الصهيونية في نواكشوط خطوة مباركة وريادية، وإن شاء الله ستتبعها خطوات أخرى أكثر فعالية حيثما يلوث الصهاينة أرض العروبة والإسلام. والضرب بهذا الاتجاه حيث أمكن هو البوصلة الصحيحة، وليس استهداف السياح الفرنسيين، إن كانوا سياحاً بالفعل، أو الدخول في معارك داخلية لا طائل منها، في ظل الاحتلال، مع فصائل وقواعد المقاومة في العراق مثلاً.

فبوركت الأيدي التي عبرت بخير عمل عن أطيب مشاعر الشارع الموريتاني والعربي والإسلامي، بعد أن استبشر خيراً بزوال نظام معاوية ولد الطايع في 3/8/2005، فإذ بالعلاقات مع العدو الصهيوني تستمر، مما يدل أن مؤسسة الحكم، ممثلة بالحزب الجمهوري الديموقراطي الاجتماعي الذي فرخه ولد الطايع، والذي بقي بعده حزباً حاكماً، بعد أن غير اسمه إلى "الحزب الجمهوري للديموقراطية والتجديد" في 31/10/2005، ثم عاد معظم أقوياء الحزب ليخرجوا منه ويخوضوا الانتخابات الموريتانية مستقلين في انتخابات عام 2006 "ليكونوا أهم القوى الموجودة الآن في الجمعية الوطنية وفي المجالس البلدية"، حسب موقع البي بي سي بالعربية في 23/12/2006.

وهكذا كانت عملية إنقاذ النظام من داخله عن طريق تجديد جلده بعدما غالى نظام معاوية ولد الطايع في قمع القوى السياسية من البعثيين إلى الإسلاميين إلى غيرهم، وبعدما حملت بعض فئات من السكان السلاح ضد النظام، وتزايدت النقمة في المؤسسة العسكرية والأمنية نفسها، وتعرض لأكثر من انقلاب عسكري كان الرابع بينها هو الذي أطاح بمعاوية ولد الطايع خلال وجوده بالسعودية أبان جنازة الملك فهد.

ويبدو أن الطرف الأمريكي-الصهيوني شعر بأن مكاسبه في موريتانيا غير مستقرة، فكان لا بد من إعادة إنتاجها بعباءة "ديموقراطية"، تماماً كما تفعل كثير من الدول العربية لعيون الدول المانحة ووسائل الإعلام العالمية والعربية... وكان ولد الطايع قد أقام العلاقات الديبلوماسية مع الكيان الصهيوني في شهر أوكتوبر / تشرين أول عام 1999، وجاء ذلك في ظل تفسخ ما يسمى "عملية السلام"، وتدهور العلاقات الرسمية العربية، خاصة مصر والسعودية، مع الكيان الصهيوني منذ وصل نتن ياهو إلى رئاسة الوزارة في الكيان الصهيوني عام 1996، وهو ما أدى إلى تجميد مسيرة التطبيع آنذاك دون التراجع عما تم إنجازه (إقرأ: التنازل عنه) حتى تلك اللحظة، ولكن مؤتمر "الشرق أوسطية" الرابع في الدوحة عام 1997 مثلاً تمت مقاطعته من قبل النظام الرسمي العربي ما عدا وفود السلطة الفلسطينية والأردن وقطر.

المهم، وصل أيهود باراك لرئاسة وزارة الكيان الصهيوني رسمياً في 6/7/1999، وبقي حتى 10/12/2000 عندما أسقطته انتفاضة الأقصى واحتجاجات أهلنا في فلسطين المحتلة عام 1948، وكان باراك قد وصل الحكم ضعيفاً في انتخابات عام 1999 التي ترشح فيها أيضاً لرئاسة وزارة دولة العدو الصهيوني المناضل الفذ عزمي بشارة، لكنه سحب ترشيحه قبل يوم الانتخابات... وفي ظل ذلك الجو الذي تصاعدت فيه المقاومة اللبنانية، وتزايد فيه الدور السوري في السياسة العربية، وتصدعت العلاقات المصرية-الصهيونية، وانكشف النظام الرسمي العربي أمام مشاريع "الدمقرطة" الأمريكية والتفكيك الطائفي والعرقي تحت عنوان حقوق الأقليات، تقدم معاوية ولد الطايع من خارج الجغرافيا السياسية في أوكتوبر عام 1999 ليعلن إقامة علاقات ديبلوماسية على مستوى السفراء مع العدو الصهيوني!

وكانت علاقاته قد ساءت مع فرنسا وفقد دعمها وغطاءها بسبب اعتقالها لأحد أعمدة نظام ولد الطايع بسبب انتهاكات حقوق الإنسان، عندما اعتقلت النقيب علي ولد الداده في يونيو / حزيران 1999 بسبب انتهاكات حقوق الإنسان، شعر نظام ولد الطايع بالتهديد، واتخذ مجموعة من الإجراءات ضد الفرنسيين مثل طرد الخبراء العسكريين الفرنسيين وفرض تأشيرة دخول على جميع الفرنسيين الراغبين بدخول البلاد، مما زاد من شعبية معاوية ولد الطايع في البداية بين الموريتانيين الذين اكتووا بنار التبعية لفرنسا عقوداً مديدة، حسب مقالة لمحمد بن المختار الشنقيطي في الجزيرة نت.

ومن هنا جاء الهروب من فرنسا إلى حضن الطرف الأمريكي-الصهيوني نتاجاً لحسابات تتعلق أساساً بتمديد عمر النظام فحسب، أي حسابات داخلية تماماً، بالرغم من الهراء الذي أطلقه نظام ولد الطايع عن "توظيف علاقاته مع إسرائيل لمصلحة الفلسطينيين"، ولا بد أن هذه المعزوفة المهترئة قد تعلمها النظام الموريتاني في الأردن، حيث أن وزير الخارجية الموريتاني السابق، وسفير موريتانيا في الأردن عام 1999، محمد سالم ولد الأكحل كان هو الذي أدار الاتصالات السرية الموريتانية-الصهيونية في نهاية التسعينات بعد انهيار علاقة النظام مع فرنسا.

المهم، ليس النظام الموريتاني من دول الطوق، ولا يستطيع أن يزعم حتى أن تعب من عبء المواجهة مع العدو الصهيوني كما فعل غيره، مع العلم أن كل يوم يمر يثبت بأن عبء الاستسلام أكبر من عبء المواجهة. وليس له أي مبرر لإقامة العلاقات مع العدو الصهيوني وهي مرفوضة في الشارع الموريتاني، وبالنسبة للعرب والمسلمين، لولا ضرورات استمرار نظام يفتقد لأي دعم داخلي وخارجي حقيقي. ولكن ما حصل لنظام معاوية ولد الطايع يثبت بأن الطرف الأمريكي-الصهيوني لا أمان له، وأنه غير معني إلا بتحقيق أفضل الشروط لاستمرار هيمنته، وبالتالي فهو غير معني لا بمعاوية ولد الطايع ولا بغيره، حتى لو كان هو الذي فتح له الباب بيده ليحقق اختراقاً تطبيعياً، فما بالك إذا كان النفط قد تم اكتشافه في موريتانيا، وتعززت بالتالي أهمية تحقيق استقرار هيمنة الطرف الأمريكي-الصهيوني؟ عندها لا بد من التخلص من ولد الطايع لكي لا يطير الطرف الأمريكي-الصهيوني معه إذا طار... وتطير مصالحه السياسية والأمنية والنفطية.

أخيراً، مسألة تجاوز الثوابت، وإقامة العلاقات التطبيعية، والتبعية للطرف الأمريكي-الصهيوني، ليس فيها رأي ولا وجهة نظر ولا تخضع لنقاش، لأن الخيانة ليست وجهة نظر، ولذلك نقول: بوركت الأيدي التي هاجمت السفارة الصهيونية في نواكشوط.

فيلم مايكل مور Sicko: نقد للنظام الأمريكي ومديح لمعتقل غوانتنامو!

http://www.freearabvoice.org/arabi/maqalat/Sicko.htm

د. إبراهيم علوش

اشتهر مايكل مور بأفلامه الوثائقية اللاذعة والناقدة للنخبة الحاكمة في الولايات المتحدة، وكان أشهرها على الإطلاق طبعاً فيلم فهرينهايت 11/9 حول أحداث الحادي عشر من سبتمر، الصادر رسمياً في 25/6/2004، وهو يعتبر أشهر فيلم وثائقي في تاريخ صناعة الأفلام، وصلت عائداته إلى مئتي مليون دولار حسب أحد المصادر، و220 مليوناً حسب مصدر أخر، منها 120 مليوناً في الولايات المتحدة والباقي خارجها، وهو رقم لم يصله فيلم وثائقي أبداً، ناهيك عن حصوله على جائزة "سعف النحيل" الذهبية في مهرجان "كان" للأفلام، مع أنه لم يُرشح لأية جوائز أوسكار في الولايات المتحدة حيث يعيش ويعمل مخرج الفيلم مايكل مور، ومع أن شركة ديزني للأفلام، منتج الفيلم، حاولت منع توزيعه، حتى اشترت حقوقه شركة أفلام أخرى.

وفيلم فهرينهايت 11/9 ينتقد نفاق وعدم كفاءة إدارة الرئيس بوش الابن بقسوة، ويعري "الحرب على الإرهاب" وحجج العدوان على العراق، ولكنه يتجاهل تماماً دور اللوبي اليهودي/الصهيوني في الولايات المتحدة في التحريض على العدوان على العراق، مركزاً عوضاً عن ذلك على العلاقة المالية والتجارية ما بين عائلة بوش وعائلة بن لادن.

وكان مايكل مور قد أخرج عدداً من الأفلام الوثائقية قبل فهرينهايت 11/9، منها مثلاً Bowling for Columbine الصادر رسمياً في 11/10/2002، وهو فيلم ينتقد ثقافة العنف اليومي واقتناء السلاح الفردي في الولايات المتحدة الأمريكية، مع العلم أن حق اقتناء السلاح الفردي من أهم مواضيع الصراع السياسي الداخلي في الولايات المتحدة، حيث يصطف الجمهوريون ولوبيات السلاح مع هذا الحق، ويصطف الديموقراطيون في معظمهم، وليس كلهم، واليساريون، ضده.

وقبلها أخرج مايكل مور فيلماً وثائقياً بعنوان The Big One يهاجم فيه طرد مئات آلاف العمال من وظائفهم في شركات تحقق أرباحاً مهولة، وقد صدر هذا الفيلم عام 1997، وركز على شركة Nike التي نقلت مصانعها من أمريكا إلى أندونيسيا، حيث العمالة أرخص.

ولمور بنفس التوجه فيلمٌ وثائقيٌ أخر صدر عام 1989 عما جرى في بلدته فلينت Flint، في ولاية ميشيغن الأمريكية، عندما أغلقت شركة جنرال موتورز GM مصانعها هناك ورحلت إلى المكسيك، مخلفة البطالة والخراب خلفها، وهذا الفيلم هو فيلم مايكل مور الأول، ويحمل عنوان Roger and Me، أي "روجر وأنا"، نسبة إلى الاسم الأول للسيد روجر سميث رئيس مجلس إدارة شركة جنرال موتورز وقتها. وهو فيلم يهاجم فيه مايكل مور بحدة وجهة النظر الليبرالية الجديدة في العولمة، وعواقبها على الناس والعمال والبيئة.

أما الفيلم الوحيد غير الوثائقي الذي أخرجه مايكل مور، فصدر عام 1995، وهو Canadian Bacon أو "لحم مقدد كندي"، وهو بنفس التوجه اللاذع، عن رئيس أمريكي خيالي يعلن الحرب على كندا المجاورة.

ولا يعتبر مايكل مور نفسه يسارياً، مع أنه يُصنف كذلك، بل هو أقرب في الواقع إلى الليبرالية كما يصنف نفسه، زائد حس اجتماعي مرهف لا يتسق مع الليبرالية. وعملياً يقع في المشهد السياسي الأمريكي في أقصى يسار الحزب الديموقراطي، وقد جاء فيلمه Sicko الصادر رسمياً في صيف عام 2007، في 22/6/2007 بالتحديد، مباشرة بعد فيلم فهرينهايت 11/9، جزءاً لا يتجزأ من نقد النخبة السياسية الحاكمة والنظام الأمريكي في أفلام مور السابقة.

وفيلم Sicko يعالج بنفس الأسلوب الساخر مشكلة سيطرة شركات التأمين والأدوية على نظام الرعاية الصحية في الولايات المتحدة الأمريكية، مظهراً أن الجمهوريين أساساً وبعض الديموقراطيين، منهم هيلاري كلينتون، سمحوا بإعطاء أرباح الشركات أولوية أكبر من صحة الناس، وتركوا نظام الرعاية الصحية في الولايات المتحدة يتدهور حتى بات: 1) يترك عشرات الملايين من الأمريكيين بلا تأمين صحي، أو أي شكل من أشكال الرعاية الطبية إلا على نفقتهم الخاصة، 2) يترك ثغرات قانونية في نظام الرعاية الصحية يسمح للشركات أن تمتنع عن تغطية علاج الكثير من الحالات العادية المؤمنة صحياً، من أجل تقليل الكلفة، حتى عندما يتعلق الأمر بأمراض أو حالات تهدد حياة المريض المؤمن صحياً، 3) يعتبر أكثر نظام رعاية صحي متخلف ليس فقط بين الدول المتقدمة، ولكن أيضاً مقارنةً بدولة مثل كوبا المجاورة يتمتع شعبها بالرعاية الصحية المجانية.

وللتأكيد على كل نقطة من النقاط السابقة، كان مايكل مور يعرض مقابلات مع أشخاص حقيقيين، بعضهم توفي بسبب منع الرعاية الصحية عنه، في أغنى دولة في العالم. ومن الأمثلة الأخرى هنا، قصة واقعية عن رجل أمريكي قطع أصبعان له وهو يعمل على آلة، ولم يكن يتمتع بالتأمين الصحي، فقيل له في المستشفى ما معناه: "إعادة تركيب الأصبع الصغير يكلفك اثني عشر ألف دولار، أما الكبير فإعادة تركيبه ستكلفك ستين ألف دولار"!! ولأن الرجل لم يكن مؤمناً صحياً، ولم يكن يملك المال، فقد بذل وعائلته جهوداً ضخمة للحصول على اثني عشر ألف دولار وركب الأصبع الصغير وترك الأخر مقطوعاً!!

ومن هنا جاء اسم الفيلم Sicko وهي كلمة عامية أمريكية مشتقة من كلمة Sick أي مريض، باستثناء أنها تقال في أحاديث الأمريكيين اليومية للتعبير عن الاختلال العقلي والنفسي، وقد استخدمها مور لوصف نظام الرعاية الصحية في الولايات المتحدة الأمريكية المفترض أنه سيعالج المرض، وهي غير كلمة psycho، أو سايكو بالعربية.

وقد فعل مايكل مور الشيء نفسه بالمناسبة مع عنوان فيلم فهرينهايت 11/9، وهو يوحي بدرجة حرارة مرتفعة جداً تؤدي للذوبان، كما حدث للبرجين يوم 11 سبتمبر، ولكن الاسم بالأساس مأخوذ من رواية خيال علمي صدرت عام 1953 بعنوان "فهرينهايت 451" عن مستقبل مظلم تمنع فيه الكتب، ويقمع الفكر النقدي، ويصبح فيه الناس غير اجتماعيين وطلاباً للمتعة فحسب. والرقم "451" هو درجة الحرارة في مقياس فهرينهايت التي يحترق عندها الورق، أو الكتب، وقد تحولت الرواية إلى فيلم بنفس العنوان عام 1966، ويقول أحد المواقع على الإنترنت أن نسخة جديدة من نفس الفيلم سوف تطلق عام 2008.

وعودة إلى فيلم Sicko، فقد كلف حوالي تسعة ملايين دولار، وحقق عائدات مقدراها نصف هذا المبلغ في أول يومين أطلق فيها في بعض دور العرض الأمريكية، بالرغم من القيود عليه، فأصبح بذلك ثاني أشهر فيلم وثائقي في تاريخ السينما الوثائقية، بعد فهرينهايت 11/9 طبعا! ومن الواضح طبعاً أن كثرة العائدات تعني كثرة المشاهدين، وما زال الوقت مبكراً طبعاً لتحديد عائدات الأشهر الأربعة أو الستة الأولى التي لم تمضِ بعد.

ويكشف مور في فيلمه Sicko، من خلال الزيارات الميدانية لمستشفيات وأطباء ومواطنين في كندا وبريطانيا وفرنسا، أن المواطنين الغربيين في كل العالم يتمتعون برعاية صحية أفضل بما لا يقاس من المواطن الأمريكي، وأن سبب ذلك الفرق هو جشع الشركات وتواطؤ السياسيين من الحزبين معها.

ولكن السقطة التي يقع فيها مور في الفيلم، وهي نفسها الزاوية الميتة للكثير من الغربيين الذين ينتقدون أنظمتهم بمرارة، تبقى العرب والمسلمين... ففي سعي مور لتحريض المواطن الأمريكي على من يأكلون حقوقه، يأخذ معه إلى كوبا مجموعة من الأمريكيين الذين تطوعوا في نيويورك بعد أحداث 11 سبتمبر لإزالة الركام والبحث عن المفقودين والجثامين. وكان هؤلاء قد أصيبوا بأمراض مستعصية أو مزمنة نتيجة عملهم المطول (التطوعي) بين ركام البرجين، فرفض النظام الصحي الأمريكي معالجتهم، وتركوا يعانون. المهم، يأخذهم مور إلى كوبا بالسفينة على مقربة من معتقل غوانتنامو لتتم معالجتهم هناك. وهذا المفصل هو الأسوأ في الفيلم، حيث يظهر مور المعتقل بأنه مكان مريح يتمتع فيه "الإرهابيون" بعناية صحية مجانية أفضل من تلك التي يحصل عليها المواطن الأمريكي في بلده، ويظهر مور بعض المعتقلين في غوانتنامو يلعبون كرة القدم، وزنازين كغرف الفنادق يلعب فيها الهواء العليل والشمس الساطعة! ويطلب مور، بالسماعة، على مقربة من المعتقل، من المشرفين عليه، أن يأخذوا الأمريكيين الذين معه ليعالجوهم أسوةً بالمسجونين غير الأمريكيين عندهم الذين يتم علاجهم على حساب دافع الضرائب الأمريكي....

وهنا لا يشط مور عن الحقيقة في وصف ظروف الاعتقال في غوانتنامو فحسب، بل يقدم خدمة مجانية لإدارة الرئيس بوش الصغير بعدما عانت سمعتها الأمرين نتيجة ممارساتها في غوانتنامو وأبو غريب... وكان الحري بمايكل مور أن يتحدث عن التعذيب الجسدي والنفسي الذي يتعرض له سجناء أبو غريب، والحرمان من الحقوق، والاعتقال على مدى سنوات بدون وجه حق أو محاكمة، وكل ذلك.

المهم، يأخذ مور الأمريكيين الذين أتوا معه إلى كوبا، التي يوضح مور عداءه لنظامها، لكي تتم معالجتهم مجاناً هناك، أسوةً بأي مواطن كوبي، وليحصلوا على الدواء مجاناً عملياً أو مقابل فتات.

النتيجة، أرسلت وزارة المالية الأمريكية رسالة لمكتبه تبلغه فيها أنها انتهك قانون حظر التعامل مع كوبا، ويقول موقع على الإنترنت أنه ربما يتعرض لملاحقة من جراء ذلك، ولكن هذا فيلم أخر...

فيلم الملوك الثلاثة: جورج كلوني وغطرسة القوة الأمريكية قبل احتلال العراق

د. إبراهيم علوش

قبيل الذكرى الأولى لاغتيال الرئيس الشهيد صدام حسين، أعادت قناة دبي الفضائية عرض فيلم "الملوك الثلاثة" Three Kings من بطولة الممثل المشهور جورج كلوني، وهو فيلم تدور أحداثه حول عملية سرقة ينظمها عددٌ من الجنود الأمريكيين للذهب الكويتي الذي زعموا أن الجيش العراقي أخذه عام 1990 لإحدى مدن جنوب العراق. وقد أطلق الفيلم رسمياً في 1/10/1999، وبالتأكيد لم يكن توقيت إعادة عرضه على قناة دبي صدفة قبيل الذكرى الأولى لاستشهاد صدام حسين بأيام، وقبل تلك الذكرى بثلاثة أسابيع تقريباً، في 9/12/2007 بالتحديد، كان جورج كلوني يفتتح الدورة الرابعة لمهرجان دبي السينمائي الدولي، بحضور عدد كبير من الممثلين المشهورين العرب والأجانب، وعندما كان عريف الحفل يقدم كلوني، كان التصفيق يعلو بشكل مفتعل كلما ذكر فيلم "الملوك الثلاثة"!

لذا، كان لا بد من العودة للفيلم ومن نقده، خاصة أن كلوني عرف عنه عداءه لسياسات جورج بوش. ولكنه عام 98 لم يكن ممثلاً سينمائياً مشهوراً، بل كان معروفاً في التلفزيون، ولذلك قفز على فرصة تمثيل فيلم الملوك الثلاثة قفزاً، ولو من فوق قناعاته.

وقبل تحطيم المقاومة العراقية لغطرسة القوة الأمريكية، كان نموذج أفلام الكابوي الأمريكية التي تسحق فيها حفنة من الجنود الأمريكيين جيوشاً بأكملها، تلك الأفلام التي تتعامل مع العرب والمسلمين بازدراء واستخفافٍ تكرسا في صور نمطية ذات بعد إمبريالي بالضرورة، وهذه "الحقيقة الموازية"، التي تسقيها هوليوود ووسائل الإعلام العالمية للأمريكيين وشعوب الأرض، وللعرب أنفسهم، كانت الزيف المتعالي الذي غشي فيلم "الملوك الثلاثة"، فأزالته خسائر الأمريكيين وممارساتهم في العراق. ولكن يبدو أن بعض العرب ما فتئوا يصرون على تكريس تلك الصورة النمطية، ولو على حساب أنفسهم، فقط بسبب عدائهم للقيادة العراقية وللمقاومة العراقية!

ونلاحظ أن الأفلام التي تتناول العراق اليوم باتت تركز على معاناة الجنود الأمريكيين أكثر من السابق، ولم تعد تتعامل مع الميدان العراقي كنزهة صيد بري بلا خسائر. وكان الإعلام الأمريكي عشية احتلال بغداد في 9/4/2003 يجري مقابلات مع جنود أمريكيين يتذمرون بأنهم لم تتح لهم الفرصة للمشاركة بالمعارك. والآن طبعاً لم يعد أحد منهم يتذمر أبداً لهذا السبب! وكانت شركة ورنر برزارذ التي أنتجت الفيلم قد قررت عام 2004 أن تعيد إطلاق فيلم "الملوك الثلاثة" في دور العرض وعلى الدي في دي بعد حرب العراق لأنها اعتبرت أن الحرب جعلت من مادته أكثر قيمة، وبالنظر لطبيعة المادة المؤيدة للحرب والداعية لإسقاط صدام حسين، فإن الاستنتاج الواضح هنا هو أن هوليوود تلعب دوراً سياسياً تعبوياً مباشراً في التحريض على العدوان والحروب الإمبريالية في الكثير من الأحيان، ولو وجدت بعض الأفلام الناقدة بشكل محسوب جيداً للحروب الخارجية. وفي هذه الحالة، يتبنى الفيلم موقفاً تحريضياً طائفياً بشكل مباشر، حيث يعتبر أن رسالته هي طرح قضية اضطهاد الشيعة في جنوب العراق، وتدخل الجنود الأمريكيين للدفاع عنهم، وفي خضم ذلك، يقدم الفيلم الخطاب الطائفي التحريضي بشكل علني ومباشر.

وقد كلف الفيلم 48 مليون دولاراً، وبلغت عائداته حوالي 150 مليون دولار في أمريكا الشمالية فقط، وقد تم تصويره في صحارى كاليفورنيا واريزونا والمكسيك، أما مخرج فيلم "الملوك الثلاثة" فاسمه ديفيد رسل David Russell، وهو يحمل شهادة بالعلوم السياسية واللغة الإنكليزية، وأبوه يهودي وأمه كاثوليكية، أما عنوان الفيلم، الملوك الثلاثة، فمأخوذ من إحدى التراتيل عن ميلاد السيد المسيح عن "الحكماء الثلاثة" الذين قدموا إليه من الشرق بعد ميلاده عليه السلام، وإحدى تراتيل عيد الميلاد بالإنكليزية تحمل عنوان "نحن ملوك الشرق الثلاثة"، والصلة الوحيدة لهذا العنوان بالفيلم هو قول أحد "أبطاله"، بعد اكتشافهم المزعوم لخريطة تدل على مكان الذهب الكويتي في العراق: "نحن الملوك الثلاثة سنسرق الذهب..."، في تهكمٍ واضحٍ يفترض أنه "خفة دم"! فأبطال الفيلم من الجنود الأمريكيين أربعة لا ثلاثة...

والفيلم يبدأ أساساً بعملية قتل لجندي عراقي يرفع العلم الأبيض لأن أحد الجنود الأمريكيين قال أنه يخفي رشاشاً. ليست مشكلة طبعاً! لا أحد يعاقب أو يُسأل هنا. وبعدها يبدأ اعتقال الجنود والضباط العراقيين بطريقة مهينة، ليتم اكتشاف خريطة سرية مخبئة في جسد أحد الضباط العراقيين في مكان خاص. وتقع الخريطة بيد ثلاثة من الجنود وضباط الصف الأمريكيين الذين يحاولون فهم ما تعنيه حتى يأتي جورج كلوني، الذي يلعب في الفيلم دور رائد في القوات الخاصة، فيقنع الثلاثة الذين وجدوا الخريطة أنها الطريق للذهب الكويتي، وأن الأفضل أن يخفوا أمرها عن القيادة حتى يصلوا للذهب ويسرقوه لأنفسهم. وهكذا يتم تكريس فكرة نهب الكويت بقرار رسمي من العراق في صيف عام 1990... وبالمقابل، يتم تصوير أي تجاوز من قبل الجيش الأمريكي باعتباره تجاوزاً فردياً لا علاقة للجيش الأمريكي به، وهو الأمر الذي انكشفت حقيقته بجلاء في أبو غريب وكل ممارسات الاحتلال في العراق.

المهم يقرر الأربعة الذهاب إلى داخل العراق لسرقة الذهب، في ظل وقف إطلاق النار الذي ساد بعد حرب الخليج عام 1991، وهنا تبدأ أحداث الفيلم لتتجلى عقدته الدرامية من خلال الحس الأخلاقي للجنود الأربعة الذين يقررون سرقة الذهب...! جورج بوش الأب كان قد دعا العراقيين للتمرد على القيادة العراقية، وتذهب الرواية الرسمية بعد ذلك إلى أنه خذلهم بعدما تجاوبوا معه وقاموا بالتمرد فعلاً، مما عرضهم للتنكيل من قبل صدام حسين. وعلى خلفية الصراع في جنوب العراق بين "المتمردين" وبين الحرس الجمهوري، يدخل كلوني وفرقته ليسرقوا الذهب من التحصينات التي شيدها الجيش العراقي تحت الأرض. وكأنها سرقة مشروعة باعتبارها سرقة من سارق، أليس كذلك؟ والجيش العراقي لا يمانع لأن همه هو قمع التمرد فحسب. ولكن السارقين الأربعة يقعون هنا في مأزق أخلاقي ومعنوي كبير يمثل حجر الرحى الذي تقوم عليه كل البنية الدرامية للفيلم: هل يسرقون الذهب ويهربون، أم يتركون المدنيين والمتمردين العراقيين في المدينة التي دخلوها يتعرضون لبطش جنود صدام؟

وينحاز السارقون الأربعة لحسهم الأخلاقي طبعاً، ويساعدهم المتمردون على تهريب الذهب، ويساعدون المتمردين وعائلاتهم على الهرب للحدود الإيرانية، فيربح الجميع وينال ما يريده إلا صدام وجنوده، ويصور الجنود العراقيون كعساكر غير كفوئين، وهناك مشهد كامل يتعلق بجنود عراقيين فارين من القتال، إلا اثنين من بين عشرات، وخلال ذلك يُقتل من الأمريكيين الأربعة جندي ويصاب أخر في سياق القتال مع الحرس الجمهوري، ولكنهم يصورون كأي كاوبوي أمريكي في مواجهة شعوب العالم الثالث يقضي على جنود العدو بإشارة من أصبعه، فيقتلون عشرات بدون عناء، ويقوم أحد الجنود الأمريكيين بتدمير طائرة مروحية عراقية بإطلاق لعبة يد يحمِّلها بالمتفجرات، بينما يصور الجنود العراقيون كالعادة كمجرمين يرتكبون الفظائع بحق المدنيين العراقيين، وبحق أسير أمريكي يقع بين أيديهم، بينما يصفح الأسير الأمريكي عن الضابط العراقي الذي عذبه عندما يقع بين يديه...

ويتصل الرائد جورج كلوني بالقاعدة العسكرية ويطلب شاحنات، بصورة غير رسمية، عارضاً مئة ألف دولار على كل سائق شاحنة، ويعطي كل متمرد من الجنوب بقي معه لوحاً من الذهب، وفي النهاية، عندما يصل الرائد جورج كلوني وما تبقى من جنوده، مع المتمردين العراقيين وعائلاتهم إلى الحدود الإيرانية، يوقفهم الجيش الأمريكي، ويعتقلهم، فيعرض ما تبقى معه من الذهب الذي سرقه على الأمريكيين، في لفتة أخلاقية منقطعة النظير، لكي يسمحوا بمرور اللاجئين العراقيين إلى إيران!!

ويبرأ كلوني ومن معه من التهم الموجهة إليهم بفضل التقارير الإخبارية للمراسلة الإعلامية أدريانا كروز التي كان الرائد كلوني على علاقة معها منذ بداية الفيلم، ولعل ذلك يظهر أيضاً أن التأثيرات الإعلامية من الجيش تأتي بفضل مبادرات فردية أيضاً، وليس كسياسة منهجية، وهو ما ثبت عكسه أيضاً عندما انتشرت قصة "المراسلين المزروعين" مع القوات الأمريكية التي هاجمت العراق.

الثلاثاء، شباط ٠٥، ٢٠٠٨

FILM CRITICISM: The Battle For Haditha

A British Attempt to Mimic Hollywood War Movies with a Pretentious Humanitarian Flavor


Dr. Ibrahim Alloush

A humanist perspective theoretically encompasses a wider scope than a nationalist dimension. However, when the humanitarian perspective becomes a cover for humanizing the invader in Iraq or Palestine independently of politics, it changes into an arrogant, orientalist mechanism of reducing the Arab cause to a form of shallow humanitarian advocacy at best, and political misguidance based on conflation of henchman and victim at worst.

The Hussain Cultural Center in Ras Al-Ayn in Amman, Jordan, displayed the movie The Battle For Haditha, by British director Nicholas Broomfield on the evening of Saturday, December 15, 2007. The movie had not yet been released in North America and Europe, with the exception of Spain which showed the movie on December 14, 2007, according to the various websites. The movie will not be released in France and Britain until February 2008. Various film festivals showed the movie in Toronto, Canada; London and San Sebastian, Spain, where it won the Silver Shell award.

The Hussain Cultural Center played the movie (without Arabic translation) on December 15, 2007, before its official release in theatres internationally, because it was filmed in Jarash, Jordan. Hence, the director Nick Broomfield and a number of actors were available at the Hussain Cultural Center where Broomfield spoke, thanking Jordan.

Nick Broomfield gained widespread fame as a documentary film director. He established this particular model in filmmaking, which is taught in colleges and schools of theatre. Some of the most famous documentary film directors subscribe to this filmmaking model, including Michael Moore, Louis Theroux, and Morgan Spurlock. The Broomfield school of thought refuses to treat a documentary as a cold reflection of reality. Rather, it aims to convey the filmmaker’s point of view, considering that reality is subjective and malleable according to various interpretations. Nick Broomfield also introduced to documentary filmmaking the idea of taking the audience behind the scenes to expose its creation process, including failed attempts at interviews or dead ends or even showing the director and photographer’s faces and movements. Michael Moore’s movies typically exemplify these film strategies.

However, The Battle For Haditha, is not a documentary movie. Instead, it is the second non-documentary film by Nick Broomfield, after Ghosts. The Battle For Haditha has no written script, only a general plan for the viewer. By keeping the scenes open to likely possibilities, The Battle For Haditha seeks to construct a dramatic plot around the Marines’ massacre of Iraqi civilians in Haditha on November 19, 2005. The background of this massacre was the killing of one of the Marines and the wounding of two others by an explosive that targeted their convoy. This compelled their cohorts to barge into adjacent houses and slaughter 24 innocent Iraqi civilians, among them women and children who were killed in their own houses. The story surfaced several months later, and American Forces reluctantly pressed charges against four of the Marines for committing the massacre. The most serious charge of first degree murder was dropped from all defendants in spite of the fact that the trials are still ongoing as of the date of this writing.

Nick Broomfield borrowed from the documentary movie tradition to his dramatic movies so they seem more realistic. Specifically, he uses more dialogue scenes than battle scenes, which is the usual standard for war movies. His actors are largely unknown, and some were Iraqi citizens who had fled to Jordan from Haditha. Broomfield assigned the protagonist roles to actual Marines who had fought in Iraq, some of whom were present at the Hussain Cultural Center, which gave the dramatic movie another realistic touch of chaos and spontaneity.

The movie's politically naive and “humanitarian” message, which is suspicious if we look beyond supposed good intentions, is delivered on three different wavelengths simultaneously. The movie presents perspectives of three groups 1) the Marines in Iraq; 2) the Iraqi civilians in Haditha; 3) the resistance or “terrorists”. In each of the three, Nick Broomfield attempts to present the scene through the prism of the particular beholder.

Marines in Iraq: according to Broomfield, the Marines are merely victims. While this is the most dangerous message in the movie, it fits in perfectly with the left liberal current, especially in the United States, which carries a contradictory slogan about the war on Iraq, such as “Oppose the war, support the troops and bring them home!”

In reality, Nick Broomfield gives maximum exposure to “the Marines’ suffering”, the victims of politicians and political decisions who are targeted at all times. The Marines are stressed because they are subject to the politicians’ abandonment and crumbs of pity if they resign from the military due to injury from battle. So they become out of control and end up committing massacres, but that should be understandable because they feel guilty afterwards and they even incur psychological problems and sometimes they cry! So they are the victims, not the enemies! The most pathetic scene in the movie is perhaps the last one in which the commander of the battalion that committed the massacre holds an Iraqi girl’s hand and walks towards the light, exiting the dark house, after he and his buddies killed her entire family!

We cannot accept these false messages based on propaganda under the excuse that the director made the movie for a Western audience. The movie treats an Arab cause and should therefore be evaluated by Arab standards primarily. A Western, not an Arab audience needs understanding of that cause.

Some elements in the West attacked Nick Broomfield’s movie. There is an entire website devoted to criticism of the movie. It contains letters from American current and ex-soldiers in Iraq who didn’t like the movie’s dramatic spin which “presumes” that a massacre did in fact take place in Haditha. The plot, according to this website, should have explored whether or not soldiers committed a massacre, especially since military courts, known as Section 32, have not yet found any of the defendants guilty!

Haditha’s Residents: Haditha’s residents are victims of the resistance who threaten them with death if they do not cooperate, and victims of the Marines who commit massacres and attacks. For example, the first part of the movie shows the corpse of an English language teacher who the main resistance fighter says was killed by al-Qaeda. He does not mention reasons for his death, which gives the implication that he was killed only because he knows English. In addition, the Iraqi people are portrayed as cooperating with the resistance because of fear only, not patriotism or religion or the desire to resist the occupation. The movie also portrays the Iraqi people as facing the Marines’ attacks, arrest and arbitrary killing in the streets as victims of the Jihadist ideology embodied by Al-Qaeda or the sheikh whom Haditha residents consult. They are victims not only literally, but also victims of a specific kind of political or religious discourse.

After the massacre we see women at a funeral calling on Arab and European countries to find a solution to Iraq’s problems! The youth, on the other hand, were victims of the sheikh’s (a spiritual leader) speeches on the necessity of resistance and revenge. It is noteworthy here that according to a western audience’s perspective, the Iraqi resistance seems as a reaction to Marines’ mistakes. The movie implicitly requests an understanding of this interpretation. But in reality, the resistance is not the result of errors or miscalculations. To portray it in such terms is incorrect. Instead, resistance is a legitimate right and a duty that stems from the occupier’s very existence, even if the occupier does not commit a single mistake.

The Resistance: there are two types of resistance. The first type is the main resistance fighter, who is an Iraqi ex-officer, Ahmad, who plants an explosive that destroys the Marines’ convoy. Ahmad is a young Iraqi man whom he successfully recruits to the resistance due to his obsession with the war movies he sells and rents. The movie presents Ahmad as an ex-soldier entering old age who drinks alcohol and receives five hundred dollars in return for planting the explosive. He decides to resist only after Paul Bremer, the US occupation’s administrator, dissolves the Iraqi army. Later, Ahmad regrets planting the explosive after seeing that it led to the civilians’ massacre. Ahmad also introduces us to the second type of resistance fighter, “the ones who killed the English teacher.” This second type gives Ahmad five hundred dollars to plant the explosive “as a material reward, not to mention the reward in the hereafter,” then they threaten to harm him if he drinks! At this point, the ideologically-driven resistance fighter becomes the Iraqi counterpart to the Western politicians who decided to wage the war. Both Iraqi and Western decision-makers use other bodies to advance their respective agendas. The movie portrays Haditha’s leader, Mr. Nabil Kuni, as a malicious character who watches the massacre and orders to videotape it so he can use it for propaganda purposes.

Undeniably, the movie’s message is tricky: it is in an effort to exonerate the Marines in Iraq and the non-ideological resistance; present the residents as aimless barn animals ready for slaughter; and to indict major politicians in the West and ideologists in the East. Ultimately, it is a liberal message and stems from lack of comprehension of the ongoing battle between the occupation and the resistance on Iraq’s soil.

It is naturally difficult for those who do not understand our land, culture and heritage and its language to understand the essence of its ongoing battles. I attempted to draw the director’s attention to that fact after the movie ended: “Mr. Broomfield, in the scene where the Marines’ battalion enters Haditha (Jarash), you forgot to remove from the clip a Jordanian government sign that appeared behind them that said “The Hashemite Kingdom of Jordan”!

The director was very surprised!!

فيلم "معركة حديثة": محاولة بريطانية لتقليد أفلام هوليود الحربية بنكهة إنسانية مفتعلة

د. إبراهيم علوش

نظرياً، يفترض بالبعد الإنساني أن يكون أوسع من البعد الوطني أو القومي. ولكن عندما يصبح البعد الإنساني مدخلاً "لأنسنة الغزاة"، في العراق أو في فلسطين، فإن الشعور الإنساني المحض، المنفصل عن السياسة، يصير مدخلاً إستشراقياً متغطرساً لاختزال القضايا العربية لشكلٍ من أشكال التبشير والسطحية الإنسانوية في أحسن الأحوال، أو لشكلٍ من التضليل السياسي القائم على الخلط بين الجلاد والضحية في أسوأها.

فيلم "معركة حديثة" The Battle of Haditha لمخرجه البريطاني نيكولاس بروومفيلد تم عرضه في مركز الحسين الثقافي في رأس العين في عمان ليلة السبت الموافق في 15/12/2007. وحتى ذلك التاريخ، لم يكن الفيلم قد أطلق رسمياً بعد في أمريكا الشمالية وأوروبا، مع عدا إسبانيا التي أطلق فيها الفيلم رسمياً في 14/12/2007 كما تقول مواقعُ على النت، ولن يطلق الفيلم رسمياً في فرنسا وبريطانيا حتى شهر شباط/فبراير 2008. وقد سبق عرض الفيلم في مهرجانات للأفلام السينمائية في تورنتو في كندا وسان سباستيان في اسبانيا، حيث نال جائزة "الصدفة الفضية"، وفي مهرجان لندن للأفلام السينمائية.

أما سبب عرض الفيلم (بنسخة غير مترجمة للعربية) في مركز الحسين الثقافي في 15/12/2007، قبل إطلاقه رسمياً في دور العرض عالمياً، فهو أن الفيلم قد تم تصويره في جرش في الأردن، ولذلك كان مخرج الفيلم نك بروومفيلد، وعددٌ من ممثليه، موجودين في مركز الحسين الثقافي حيث قدم العرض بكلمة منه، شكر فيها الأردن.

المخرج نِك بروومفيلد اكتسب شهرة عظيمة كمخرج للأفلام الوثائقية، وهو صاحب مدرسة في هذا المضمار، تدرس في كليات ومدارس السينما، وقد تأثر بها بعض أشهر مخرجي الأفلام الوثائقية في العالم مثل مايكل مور ولويس ثيرو ومورغان سبيرلوك. وتقوم هذه المدرسة على رفض التعامل مع الفيلم الوثائقي كانعكاس جامد للواقع، وضرورة جعله معبراً عن وجهة نظر مخرجه، باعتبار رؤية الواقع مسألة تخضع لوجهات النظر. أما من ناحية المبنى، فإن نِك برومفيلد أدخل إلى الفيلم الوثائقي فكرة إظهار هيكله للجمهور، ومنه المقابلات الفاشلة أو الطرق المسدودة، أو حتى وجه وحركة المخرج والمصور، وهو النهج الذي نجده في أفلام مايكل مور مثلاً.

ولكن فيلم "معركة حديثة" ليس فيلماً وثائقياً. بل هو الفيلم الثاني غير الوثائقي لنِك برومفيلد بعد فيلم "أشباح". ولا يوجد لفيلم معركة حديثة نص مكتوب، بل مخطط عام للمشاهد فحسب. وبإبقاء المشاهد مفتوحة على الاحتمالات الواقعية هكذا، يسعى فيلم "معركة حديثة" لبناء حبكة درامية حول قصة مجزرة قوات المارينز بالمدنيين العراقيين في حديثة يوم 19/11/2005 . وقد جاءت على خلفية مقتل عنصر من المارينز، وجرح اثنين، بمتفجرة مزقت عربتهم، مما دفع زملاؤهم لاقتحام البيوت المجاورة وذبح أربعاً وعشرين عراقياً مدنياً بريئاً بينهم عدد من النساء والأطفال قتلوا في غرف منازلهم... وبعد انفضاح أمر المجزرة بعد أشهر طويلة من وقوعها، اضطرت القوات الأمريكية لاتهام أربعة من قوات المارينز بارتكابها. ومع أن تلك المحاكمات ما زالت جارية حتى تاريخ كتابة هذه السطور، فإن أخطر التهم، أي تهم القتل المتعمد، قد أسقطت عن المتهمين بالمجمل.

وقد نقل نِك برومفيلد القادم من تقليد الأفلام الوثائقية بعضاً من خبرته من ذلك الحقل إلى فيلمه الدرامي، حتى يكاد يوحي بأنه يقدم فيلماً وثائقياً أخر، وهو ما يجعل نسبة الكلام أكثر، ونسبة المشاهد القتالية أقل، مما تجده في فيلم هوليودي حربي عادي. وقد استخدم لهذا الغرض ممثلين غير معروفين تقريباً، وبعض المواطنين العراقيين النازحين من حديثة إلى الأردن، وأعطى دور البطولة لعدد من جنود المارينز الحقيقيين ممن سبق أن قاتلوا في العراق، وقد كان بعضهم حاضراً في مركز الحسين الثقافي، وهو ما يضفي لمسة واقعية أكثر منها درامية على ذلك الفيلم الدرامي بالأساس، ويملاً مشاهده بفوضى الواقع وتدفقه التلقائي.

أما رسالة الفيلم، الإنسانية الجوهر، الساذجة سياسياً، المشبوهة إن شئنا تغييب حسن النوايا، فتقوم على البث على ثلاث موجات في آنٍ معاً. فالفيلم يُطرح من ثلاث وجهات نظر: 1) وجهة نظر المارينز في العراق، 2) وجهة نظر المدنيين العراقيين في حديثة، 3) وجهة نظر المجاهدين أو "الإرهابيين". وفي كل حالة من هذه الحالات، يحاول نِك برومفيلد أن يظهر وكأنه يقدم المشهد من خلال خطاب الطرف المعني نفسه.

فالمارينز في العراق مجرد ضحايا، وهذه أخطر رسالة في الفيلم، ولكنها تنسجم تماماً مع توجه اليسار الليبرالي الذي يرفع، في الولايات المتحدة بالأخص، شعاراً سياسياً ملتبساً إزاء غزو العراق هو: "معارضة الحرب ودعم القوات المسلحة"!

والحقيقة أن نِك برومفيلد يقترب أكثر ما يكون ل"معاناة المارينز"، ضحايا السياسيين والقرار السياسي حسب رايه، المستهدفين في كل وقت، والمعرضين للتخلي عنهم إذا تقاعدوا نتيجة إصابة قتالية ليلقى إليهم بالفتات... لهذا يفقدون أعصابهم، وينتهي بهم الأمر لارتكاب مجزرة، ولكننا يجب أن نتفهم لأنهم يشعرون ببعض الذنب بعدها، ولأنهم يصابون بعقد نفسية بسبب وجودهم المطول في ساحة القتال... وهم يبكون أحياناً!! إنهم ضحايا إذن، لا جلادون! ولعل أسخف مشهد في الفيلم هو المشهد الأخير الذي يمسك فيه قائد فصيل المارينز الذي ارتكب المجزرة بيد طفلة عراقية ويسير بها نحو الضوء، إلى خارج المنزل المعتم، بعد أن قام وزملاؤه بذبح كل عائلتها!

ولا يجوز أن نقبل تمرير مثل هذه الرسائل تحت عنوان أن المخرج وضع الفيلم لجمهور غربي... فالفيلم يتناول قضية عربية، وبالتالي يجب أن يقاس بمقياس القضايا العربية بالأساس. والجمهور الغربي هو الذي يجب أن يتفهم لا نحن!

وليكن واضحاً أن هذا لم يعفِ نِك برومفيلد من النقد في الغرب. فهناك موقع كامل على الإنترنت لنقد الفيلم يحتوي رسائل من جنود أمريكيين حاليين وسابقين في العراق لم تعجبهم الحبكة الدرامية للفيلم التي "تفترض"، حسب الموقع، أن المارينز ارتكبوا مجزرة حديثة. فالحبكة برأيهم كان يجب أن تدور حول ما إذا كانوا قد ارتكبوها أم لا، خاصة أن المحاكم العسكرية، المعروفة باسم "البند 32"، ما زالت لا تجدهم مذنبين بتهمة القتل العمد!

مواطنو حديثة: ضحايا للمجاهدين الذين يهددونهم بالقتل إذا لم يتعاونوا، وضحايا للمارينز الذين يرتكبون فيهم المجازر والانتهاكات. وفي بداية الفيلم نرى في الشارع جثة أستاذ لغة إنكليزية يقول المقاوم الرئيسي في الفيلم أن القاعدة قتلته، بدون إبداء الأسباب، مما يوحي أنه قتل لأنه يعرف اللغة الإنكليزية فحسب.. والمواطنون العراقيون في الفيلم يتعاونون مع المجاهدين بدافع الخوف فحسب، لا بدافع الوطنية أو الدين أو الرغبة بمقاومة الاحتلال مثلاً. والمواطنون العراقيون الذين يتعرضون للمداهمات والاعتقال والقتل العشوائي في الشارع من قبل المارينز يصورون كضحايا لفكر المجاهدين الذي تمثله القاعدة أو الشيخ الذي يحتكم له مواطنو حديثة. فهم ضحايا طرح سياسي أو ديني، لا ضحايا بالمعنى الحرفي للكلمة فحسب. وبعد المجزرة تشاهد النساء الجالسات في العزاء وهن يرفعن الصوت للدول العربية والأوروبية لكي تجد حلاً لمشكلة العراق! أما الشباب فوقعوا ضحية لطرح الشيخ بضرورة المقاومة والانتقام... وهنا لا بد من الاعتراف، من وجهة نظر الجمهور الغربي، أن المقاومة العراقية تصور كرد فعل على أخطاء المارينز، وهو ما يمثل مطلباً ضمنياً بتفهمها، ولكن المقاومة ليست نتيجة أخطاء أو تجاوزات، ويخطئ من يضعها هكذا، بل هي حق وواجب بمجرد وجود الاحتلال، حتى لو لم يرتكب تجاوزاً واحداً.

المجاهدون: نوعان، النوع الأول يتمثل بالمقاوم الأساسي في الفيلم، الضابط العراقي السابق أحمد، الذي يزرع القنبلة التي تدمر آلية المارينز، مع شاب عراقي بسيط نجح باستقطابه للمقاومة من شدة هوسه بالأفلام الحربية التي يبيعها ويؤجرها. وأحمد يصور كجندي سابق على أبواب الشيخوخة، يشرب الكحول، ويتلقى خمسمئة دولار مقابل زرع القنبلة، ويعلن أنه قرر المقاومة فقط بعد قرار الاحتلال حل الجيش العراقي، ثم يعلن ندمه على زرع القنبلة بطريق المارينز بعدما رأي كيف أدت إلى حدوث مجزرة بالمدنيين... وهو أيضاً من يعرفنا بالنوع الثاني من المجاهدين "الذين قتلوا أستاذ اللغة الإنكليزية". وهؤلاء المجاهدين يعطونه خمسمئة دولار لزرع القنبلة، "كأجر دنيوي.. غير أجر الآخرة"، ثم يهددونه إذا شرب! وهنا يصبح المقاومون العقائديون الوجه الأخر، العراقي، المقابل للسياسيين الغربيين متخذي قرار الحرب. وكلاهما يقاتل بأجساد الآخرين بسبب أجندة خاصة به. ويصبح شيخ حديثة (الصديق نبيل كوني) شخصية خبيثة تقف متفرجة على المجزرة وتحرض فقط على تصويرها لكي يتم استغلالها إعلامياً. فإذا كان هناك من رسالة في الفيلم، فهي تبرئة المارينز في العراق والمقاومين غير العقائديين، وإظهار الناس كنعاج تنتظر الذبح، لا إرادة لها، وإدانة كبار السياسيين في الغرب والعقائديين في الشرق. وهي رسالة ليبرالية في النهاية... وتنم عن قلة استيعاب لطبيعة المعركة الجارية على أرض العراق بين المقاومة والاحتلال.

وأنى لمن لا يفهم بلادنا ولغتها أن يدرك طبيعة الصراع فيها. وقد حاولت لفت نظر المخرج لهذا الأمر بملاحظة عابرة بعد انتهاء الفيلم: سيد برومفيلد، في المشهد الذي تظهر فيه قافلة المارينز تدخل إلى حديثة (جرش)، نسيت أن تزيل من الشريط السينمائي لافتة ظهرت خلفهم بسرعة لمؤسسة حكومية أردنية وقد كُتب عليها بالعربية "المملكة الأردنية الهاشمية"!

!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!! (علامات التعجب من المخرج)!

الاثنين، شباط ٠٤، ٢٠٠٨

تضامنوا مع مجلة الآداب ورئيس تحريرها الدكتور سماح إدريس

إلى الكتاب والأدباء المناضلين

في الوقت الذي يستمر فيه العدو الأمريكي في محاصرة أبناء شعبنا العربي في العراق ، وبتدمير العراق بكل مكوناته، وبارتكاب جرائمه البشعة من تشريد وتهجير وتجويع وإبادة، بالإضافة إلى التفتيت الطائفي والإثني بتوجيهات من عملاء الموساد الصهيوني والميليشيات الطائفية والعنصرية الحاقدة على عروبة العراق في سياق المخطط الاستعماري الصهيوني المعادي لكل الأمة، يطالعنا أحد "المثقفين" ممن باع ضميره للعدو، وبشّر بسياسة الاحتلال وديمقراطيته الكاذبة، يطالعنا برفع دعوى قضائية ضد مجلة الآداب اللبنانية، المنبر الحرّ العصيّ على التطويع والانخراط في سوق النخاسة الثقافي، وضد رئيس تحريرها الدكتور سماح إدريس، في محاولة بائسة للجم الأصوات والمنابر الحرّة المدافعة عن حق الأمة في مقاومة الاحتلال المجرم لأرض الرافدين وفي فضح سياساته القائمة على الهيمنة والتبعية والاحتواء، بينما يغض بعض المثقفين العرب الطرف عن جرائم الاحتلال وعملائه وأصدقائه في المنطقة العربية، ومن بينهم حكام شمال العراق المحتل الذين نزلوا بضيافتهم...

وفي محاولة لمحاكمة من يجرؤون على مساءلة وتسليط الضوء على من يسعون لشطب العراق وإحلال دويلات طائفية وإثنية مكانه تستضيف مؤتمرات ومهرجانات ثقافية خاصة بها، بحضور عشرات المثقفين العرب، لتضفي على وجودها الزائف بعض المشروعية بمعيتهم،

وفي محاولة لاجتثاث ثقافة "مجلة الآداب" الداعية إلى مقاومة الاحتلال الأمريكي والصهيوني للعراق وفلسطين ولبنان، ونشر الرعب في أرض لبنان العربي بين كتّابه ومثقفيه، بما يمثّله لبنان العربي ثقافيا، وما تعنيه مجلة الآداب من تاريخ وطني وقومي في خدمة الحركة الثقافية العربية على مدى عقود،

تأتي هذه الدعوى المرفوعة نيابة عن المدعو "فخري كريم" أمام القضاء اللبناني كشكل من أشكال الإرهاب الثقافي، ولمنع طرح أية أسئلة حول مسيرته التخاذلية منذ انخراطه في الحزب الشيوعي العراقي والثورة الفلسطينية، وثرائه غير المشروع على حسابهما، إلى تعاونه مع سلطات الاحتلال الأمريكي وأدواته في العراق الشقيق المقاتل.

لذا ، نعلن ما يلي:

أولا : تضامننا الكامل مع مجلة الآداب اللبنانية ورئيس تحريرها الدكتور سماح إدريس
ثانيا : نطالب جميع الكتّاب والمثقفين العرب الأحرار باستنكار هذه الدعوى وشجبها، وفضح القائمين عليها بكتابة المقالات عبر الصحف والمجلات ومواقع الانترنت، وتوقيع عرائض الشجب والاستنكار وغيرها من الوسائل المتاحة
ثالثا : العمل على تشكيل هيئة دفاع عن مجلة الآداب ورئيس تحريرها، من كتّاب ومحامين من عدة أقطار عربية، بحيث تتحول هذه المحكمة إلى محاكمة لكل من تسول له نفسه التلاعب بالثقافة العربية، والترويج لثقافة الاحتلال
رابعا : نطالب اتحاد الكتّاب والأدباء العرب واتحاد المحامين العرب بتشكيل لجنة مشتركة للدفاع عن مجلة الآداب ورئيس تحريرها الدكتور سماح إدريس

عاشت المقاومة العراقية .. الممثل الشرعي والوحيد للشعب العراقي
عاشت فلسطين حرة عربية .. من النهر إلى البحر
عاشت الكلمة الحرة الصادقة والمثقفون الأحرار، والعار لكتبة السلاطين والاحتلال

التيار القومي في رابطة الكتّاب الأردنيين
4/2/2008


الأحد، شباط ٠٣، ٢٠٠٨

القانون الدولي مع عروبة المعبر

عبد الستار قاسم

يظهر على شاشات التلفاز عدد ممن يقولون عن أنفسهم خبراء في القانون الدولي وهم يبررون ضرورة تطبيق الاتفاق مع إسرائيل بخصوص معبر رفح، ويدعون إلى عودة أوضاع المعبر إلى ما كانت عليه قبل سيطرة حماس على قطاع غزة، ومن ثم على المعبر. إنهم يعتبرون الاتفاقات الجانبية مع الاحتلال جزءا من شرعة دولية يجب التمسك بها.

أنا لست من المؤمنين بالشرعية الدولية، وأومن بأن القوة هي التي تصنع القانون، وأن القانون الدولي يعكس مصلحة الأقوياء. على الرغم من ذلك، ينص القانون الدولي على التالي:

لا يجيز القانون الدولي الاستيلاء على أرض الغير بالقوة، وهذه عبارة تتصدر القرار الدولي الصادر عن مجلس الأمن رقم 242. ويجيز القانون الدولي المقاومة من أجل إنهاء الاحتلال.

إسرائيل عبارة عن دولة محتلة، وهي يجب أن تنهي احتلالها وفق القانون الدولي للأرض التي احتلتها عام 1967، وعلى إسرائيل أن تعيد اللاجئين الفلسطينيين وفق قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 194، وأن تعيد للفلسطينيين أراض خصصت لهم وفق قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 181.

الاتفاقات مع دولة محتلة ليست واردة في القانون الدولي، وكل ما بني على باطل هو باطل. عقد اتفاق مع دولة محتلة من قبل الناس الذين يقعون تحت الاحتلال مبني على باطل، وهو بالتأكيد باطل. اتفاق معبر رفح ليس قانونيا وفق القانون الدولي لأنه يكرس الاحتلال الذي يدعو القانون الدولي إلى إنهائه. وفق القانون، على كل الدول بما فيها مصر وباقي الدول العربية أن تمتنع عن المشاركة في اتفاق مع قوة محتلة يعتبر القانون الدولي احتلالها غير شرعي ويجب العمل على إنهائه.

مشكلة القائلين بشرعية اتفاق رفح وبمسؤولية مصر تجاه تطبيق الاتفاقيات أنهم يريدون إرضاء أصحاب السلطان الذين هم أمريكا وإسرائيل بالدرجة الأولى. أمريكا وإسرائيل تحاولان التهرب من قرارات الأمم المتحدة ومن القانون الدولي خدمة لمصالحهما، وذلك من خلال عقد مؤتمرات وفق مزاجهما. وقد أكد بوش في زيارته الأخيرة للمنطقة العربية على أن الأمم المتحدة لا تشكل مرجعية بخصوص القضية الفلسطينية.

لا توجد نصوص في القانون الدولي تجعل من الاتفاقات الثنائية فوق القانون الدولي. الاتفاقات الثنائية التي تتناقض مع أو تخالف القانون الدولي لا تعتبر جزءا من القانون الدولي وهي باطلة. اتفاق السلطة الفلسطينية مع دولة محتلة بخصوص بقاء الاحتلال بطريقة أو بأخرى يتناقض مع القانون الدولي الذي لا يجيز احتلال أرض الغير بالقوة.

On The Reduction of National Liberation into "Humanitarianism" and Non-violence

Two comments on Henry Lowi, Amira Haas, and her article titled "Finally, a popular uprising":


Some gangster once said that if you point a gun at someone's head and threaten to kill him but then let him go, that person will be grateful to you for the rest of his life.

The Zionists do this all the time. They starve Ghazza and then expect to be called humanitarians for letting some food in as 'relief' for the suffering population - but who caused the suffering in the first place?

They put the gun to the Palestinian head and then expect to be called 'humanitarian' when they don't pull the trigger.

And this kind of gangster mentality is regarded as "progressive" or "enlightened" by some people.

But Zionists' idea, of course, is simply to shift the issue from one of national liberation to one of humanitarian relief - which the Zionists naturally go for because that leaves them in charge. In fact that's how they seek to manage the situation; manage the Palestinians.

As far as attracting "criticism of 'Israel'" is concerned, actually the July war of 2006 got a lot more negative press for the Zionists than the Ghazza situation, so I don't think this 'non violent protest' stuff necessarily arouses more popular international interest. But of course, if you want to measure 'international interest' you have to keep in mind that 'interest' is largely seen through the lense of the imperialist media, and the imperialist powers would rather manage the Palestinian "humanitarian crisis" (that they are all helping to cause) rather than confront the national liberation struggle as such. In fact, media attention on 'non-violent protest' largely a deliberate 'trick' to turn attention from national liberation to 'humanitarian' issues.

So if "international interest" just translates into the Zionists agreeing to send in a certain number of Care packages to Ghazza through their own blocade, then that 'international interest' is not of much use, because it is reinforcing the Zionists' own framework for managing the situation on their terms. That's not solidarity with the Palestinian struggle at all.

It should be clear that Amira Hass and Henry Lowi aren't "friends" or in any sense on the Palestinian side, because what they're doing is precisely the opposite of promoting the national liberation of Palestinians - in fact they're trying to eliminate the national liberation struggle by replacing it with a humanitarian issue that the Zionist entity will play a major role in 'solving' - after it created it in the first place.

In other words, they're playing that gangster trick of putting the gun to our head and then - 'under humanitarian pressure' - agreeing not to pull the trigger. But let's not fall for that trick. We need to get together to fight to get rid of the gangsters; not let them continue to run the show and then feel grateful to them when they don't pull the trigger.

Revolutionary greetings,

Muhammad Abu Nasr
______________


While it is right to resist the Zionist occupation of Arab Palestinian land, it behooves me to refer to Lowi as a "friend." And, to Amira Hass, the Zionist journalist disguising herself as a woman in "solidarity" with the Palestinians and their national liberation struggle.

Some of them have developed a sense of guilt because of their illegitimate presence on a land they stole and continue to occupy. Unfortuntely, not enough guilt to purchase a one-way plane ticket off our land. But, why should they, when there are Arabs and Palestinians who make open declarations that they are now "citizens" on a land they [Zionists] stole and continue to occupy?

And, when there are Palestinian Arabs who condemn the Zionist entity, but only to condemn its so-called "racist" and "Apartheid" nature, still giving "Israel" recognition. When occupation has become "sexy", and it has become acceptable to humanize the occupiers because a few of them,
perhaps a handful, stand behind the land grab Wall with our people, or write a few articles "admitting" to the atrocities committed by their kind.

When we take these positions openly, these defeatist ideologies, while the genocide and occupation continue, not to mention the resistance, then we lose the position to comment against a Zionist who thinks she has the right to condemn or judge our resistance or the methods our people choose to resist.

In other words, we can't have it both ways. Either Palestine is occupied, or its not. Either the Zionist Jews are invaders on our land, or they are not. And either Palestine is Arab, or not, and it most certainly is, every inch of it from the river to the sea.

Salaams,
Samia Saleh

السبت، شباط ٠٢، ٢٠٠٨

خطوة أخرى نحو استكمال تحرير غزة

نشرت في صحيفة السبيل الأردنيّة بتأريخ 29/01/2008


د. إبراهيم علوش

شكل قيام المقاومة والجماهير بفتح معبر رفح بالقوة في 22/1/2008 خطوةً تاريخية لاستكمال تحرير القطاع، كما شكل التخلص من هيمنة الأدوات الأمنية المرتبطة بالعدو الصهيوني خطوة سابقةً لها بنفس الاتجاه...

فبعد الانسحاب الصهيوني القسري من غزة عام 2005، بقيت السيادة على البحر والجو والمعابر بيد الكيان الصهيوني، وبقيت الأجهزة الأمنية المرتبطة بالعدو الصهيوني تمارس فوضاها وفسادها داخل غزة، ولذلك لم يكتمل تحرير غزة وقتها، مع العلم أن ثمة شريطاً حدودياً محتلاً في القطاع أكبر بكثير من مزارع شبعا لو عدنا لخرائط الهدنة عام 1949، وهي مجرد نقطة تقنية عابرة يمكن أن تستغلها قوى المقاومة إعلامياً وقانونياً حسب الضرورة (تماماً كما تفعل المقاومة اللبنانية مع مزارع شبعا)، والأساس طبعاً أن فلسطين من البحر للنهر كلها عربية وكلها محتلة لا بد من تحريرها، ما خلا قطاع غزة الذي تحرر جزئياً، تحت نيران المقاومة وبدون قيد أو شرط، بفضل تضحيات المقاومين.

ولولا أن تحرير غزة، أي الانسحاب الصهيوني القسري، كان جزئياً وغير مكتمل، لما تمكن العدو الصهيوني من فرض الحصار على القطاع بعد إعلانه «كياناً معادياً». ولكن تتمة معادلة إغلاق القطاع وخنقه، عقاباً له على خطواته باتجاه التحرر الفعلي، كانت طبعاً إغلاق الحدود القطرية المزيفة التي تفصل غزة عن مصر، وهي مثل كل الحدود المزيفة بين الأقطار العربية، حدودٌ ما أنزل الله بها من سلطان، وليس لها أي مبرر تاريخي أو عروبي أو إسلامي، إلا كإحدى النفايات النتنة لاتفاقية سايكس-بيكو، وكتتمة طبيعية لوعد بلفور. فما كان لوعد بلفور أن يتحقق لولا التجزئة القطرية التي تعانيها بلاد المشرق بالأخص، تماماً كما يسهم وجود الكيان الصهيوني، بموقعه المستعصي بين الجناحين الآسيوي والأفريقي للأمة العربية، بتعزيز التجزئة القطرية.

وتسهم الحدود القطرية بالمناسبة بخنق مشروع تحرير فلسطين عبر حدود دول الطوق، وليس فقط عبر «الحدود» المصرية-الفلسطينية. ولنا أن نتخيل فقط كيف يمكن أن تتصاعد المقاومة الفلسطينية لولا الستار الحديدي الذي تحمي به الأنظمة العربية دولة العدو. ومن الواضح أن العائق الأساسي اليوم أمام الجهاد في فلسطين هو الأنظمة العربية. ولننسَ الجهاد عبر الحدود هنيهة إن شئتم، فلا نريد من الأنظمة العربية أن تشتغل بالمقاومة أصلاً... فمن الواضح أن خطوط الإمداد للمقاومة داخل فلسطين تقطعها الأنظمة العربية، ولو قطعت سوريا مثلاً خطوط إمداد المقاومة اللبنانية، لما تمكنت الأخيرة من تحقيق الإنجازات التي حققتها إلا بأضعاف الجهد والتضحيات، وهو الأمر الذي يفسر لماذا تضحي المقاومة الفلسطينية أكثر وتنجز أقل، إلى جانب ضياع بوصلة الثوابت والاستعداد العالي للمساومة والتفريط عند قيادة «م.ت.ف».

حصار غزة إذن هو حصار مزدوج، صهيوني-رسمي عربي بالشكل، ولكن مضمونه يقوم على علاقة التكامل ما بين الاحتلال والتجزئة، تماماً كما كان حصار العراق بين عامي 1990 و2003 من قبل النظام الرسمي العربي تكاملاً للاحتلال والتجزئة. ومن هنا، تمثل المبادرة التاريخية التي قامت بها المقاومة والجماهير الفلسطينية، باقتحام معبر رفح بالقوة، خطوة مزدوجة لتحقيق هدف التخلص من الاحتلال، من جهة، من خلال استكمال تحرير القطاع، ولتحقيق هدف إسقاط حدود التجزئة من جهةٍ أخرى. ومن الطبيعي بالمقابل أن مشاعر الجماهير المصرية المتعاطفة بقوة مع غزة تكاملت بالضرورة مع هدف إسقاط «الحدود» المفتعلة ما بين مصر وفلسطين، وأن خطوة اقتحام المعبر ما كانت لتتم أبداً لولا رضا الشارع المصري عنها، وهو أمر طبيعي، لأن مصر هي الشعب لا النظام، والوطن العربي هو الشعب العربي لا النظام الرسمي العربي...

بالرغم من ذلك، أتحفنا عددٌ من كتاب التدخل السريع والمارينز الإعلامي بمقالات وتعليقات تحاول إعادة تأويل حدثٍ تاريخيٍ عظيمٍ بمستوى إسقاط «الحدود» بين مصر وفلسطين كفورة عمياء لثلة من «الجياع» أو «اليائسين»، لا باعتباره مبادرة تاريخية من أصحاب قضية وحق.

فهل دخل الغزيون العريش ورفح المصرية كالرعاع ليخربوا ويعيثوا فيها الفساد، أم دخلوها آمنين؟! ثم كيف نفسر دخول آلاف المصريين بالاتجاه الآخر، من سيناء إلى غزة، إلا كمكمل ضروري لمبادرة إسقاط حدود بين أبناء الشعب الواحد لا مبرر لها أصلاً، ناهيك عن المشاركة في حصار غزة؟! هل ذهب المصريون ليأكلوا في غزة أيضاً؟! وعلى أية حال، إن قبلنا جدلاً بأن اقتحام المعبر وتدمير الحدود جاء بسبب الجوع الفيزيولوجي فحسب، فإن ذلك يثبت أن الجوع والخوف يقبعان ضمن الحدود القطرية، وأن الرفاهية والأمان يقبعان خارجها.

إن الذين يتباكون اليوم على فصل غزة عن الضفة، يفضلون أن تبقى غزة بيد العدو الصهيوني على أن تتحرر، وهؤلاء يبكون على سلطتهم الضائعة، لا على غزة. وأصحاب الخطاب الذي يطالب بإعادة الحدود الوهمية إلى مكانها بذريعة عدم السماح للعدو الصهيوني التنصلَ من مسؤولياته القانونية تجاه غزة، يتجاهلون بأنهم قبلوا تنصل الاحتلال من مسؤولياته عندما رضوا بتأسيس سلطة فلسطينية تتولى مسؤولية الحكم الذاتي وحماية أمن العدو الصهيوني. أولئك الذين طالبوا العدو الصهيوني بإغلاق المعابر أصلاً لا يحق لهم ادعاء الحرص على المحاصرين في غزة. ومن يفصل غزة عن الضفة، ويفصلهما عن باقي فلسطين، هو الاحتلال. وبالتالي فإن أي خطوة باتجاه استكمال تحرير غزة تقربها أكثر من القدس، لأنها خطوة باتجاه تحرير باقي فلسطين. وبدلاً من التباكي على «المسؤولية القانونية لسلطة الاحتلال»، علينا أن نطرح بقوة أكبر مسؤولية الأمة في مشروع تحرير فلسطين.

الجمعة، شباط ٠١، ٢٠٠٨

لائحة القومي العربي - نعي الدكتور جورج حبش



نعي الدكتور جورج حبش

لائحة القومي العربي



شمس لن تغيب

في خضم الأحداث وتصاعد وتيرة الهجمة الاستعمارية على بلادنا العربية، غاب الحكيم والمعلم، تاركاً بصماته علامة ومنارة على صفحة ناصعة البياض لا تشوبها شائبة.

يكفينا فخراً أنه لم يحن ِ قامته، ولم تضعف همته حتى في أحلك الليالي الظلماء التي أصابت مسيرة القضية الفلسطينية.

لم يهن أو ينكسر ولطالما كان ملاذ كلمة المقاومة والوحدة الوطنية الصادقة والمواقف العروبية الأبية.

رحيله لا يشبه رحيلاً آخر، بل رحيل من التزم الكلمة موقفاً والموقف مبدأً والمبدأ وجوداً كريماً شريفاً..

لن نرثيك يا ضمير الثورة وما زلنا نحمل الهم الذي منحته وكرست له حياتك، إنما هي سطور وفاء على صفحة من صحائف العروبة الثابتة في مبادئها، الماضية بإصرار إلى الهدف الواحد.

تعاليمك دليلنا إلى طريق الوحدة والتحرير..وحواريوك ينشرون في كل زاوية أسفار الخلاص من أحبار الظلام.

على العهد باقون.. وفلسطين كل فلسطين بوصلتنا، والقدس عشقنا الأبدي في كل وقت وزمان.

يا من سطرت في ذاكرة التاريخ ملاحم حية، وعلى طريق الآلام زرعت وردا بابتسامة هادئة متزنة، تصر على الصمود.

آخر ما نطق به الولاء الصادق، أنك لا تعترف بالحدود وهنيئاً لأهل غزة أنهم حطموها... وكل أبناء الشعب العربي كالنشامى يرفضون الأسلاك الشائكة والجدر التي تعيق التقاء الأهل والأحبة. وفلسطين لن تتحرر إلا بإسقاط الحدود. لن نساوم ولن نركع.

ولن يكون لنا مكان تحت الشمس إلا أن نتمسك بثقافتنا التي نستولد منها في كل يوم ثقافات نضال ومقاومة تعلن للعالم بأننا شعب وجد كي يبقى على أرضه وتاريخه وذاكرته. فإن وهبوا لنا جنان العالمين بديلا ما ارتضينا، ولن نكون إلا صهوة لفرسان الصمود.

لن نقول رحل آخر الرجال وآخر القوميين العرب، لأن هناك الكثيرين من أبناء مدرسة القومية العربية، ما زالوا يحملون نبراس مبادئ لن تتبدل أو تتغير ولم تتلون مهما حاول المنحرفون أن يشوهوا طريقها المعبد بالدماء الزكية، ولن يركع أو يستسلم من كان على الدرب نفسه، وفلسطين لا تكون إلا بعروبتها.

رجال العزة سيكملون مسيرة الإباء والنقاء، ومهما كان الاختلاف بينهم، يبقى الوطن هو الأكبر والمرجع والحضن الأمين، وكما علمتنا فالوطن لا يتحرر بنفوس ٍ مستعبدة.

سلامٌ لك أيها المعلم..سلامٌ عليك حين وُلدت وحين رحلت وحين تُبعث حياً، وعهدنا أن نتشبث أكثر بتعاليم تعلمناها من صمودك وصدقك ولن نحيد عنها مهما طال ظلام الليل.

هكذا كنتَ وهكذا سنبقى لشمس لن تغيب.

تحية للمقاومة الباسلة في العراق وفلسطين!

عاشت فلسطين حرة عربية من البحر إلى النهر!

لائحة القومي العربي
31/1/2008

جـورج حـبش .. المُناضـل والإنـسان


- عبد الستار الكفــيري

لم تكن الشعارات التي أَطلقها مُشيعو " الحكيم " محضَ كلماتٍ عابرةٍ , تُقالُ في مناسبةٍ عابرةٍ , لم تكن كذلك , لا الشعارات التي أحاطت روح الراحل , ولا الحدث الذي إجتمع الناس بسببه . و لعلَ أبلغ دلالة لهذا , هو أن الشعارات التي تردد صداها عالياً لم تكن لترفع , لو لم يكن " الحكيم " وفياً لها , وما كان لتلك الجموع أن ترفعها , لو أنها لم تكن معنية بأن توصل صوتها للحكيم , لحظةَ التشييع , وكأن ما رددته يوحي بأنها تقول بأَعلى صوتها : أننا مثلك , وعلى نهجك , ووصيتك " فلسطين " باقية بين ضلوعنا..

عَرفته الجموع , مناضلاً جَسوراً , لا تقبل فلسطين لديه القسمة على إثنين , عَرفته الجموع طبيباً إنساناً , ولم تعرفه " تاجراً " , عرفته مفكراً وقائداً سياسياً , بكل ما ينطوي عليه الوصفان من معنى , ولم تعرفه " طارئاً " , عَرفته قومياً لا يهادن وأُممياً لا يساوم , عَرفته رفيقاً لوديع حداد , وكليهما يُعرَف بدلالة الآخر , ولم تعرفه " حليفاً لليسار الإسرائيلي " , عَرَفته كما كان ينبغي له أن يُعرَف , فشتان بين من يقضي وهو في عز تمسكه بثوابته ومبادئه وبين من يهوي وهو في ذروة هلاكه وتساقطه , كليهما راحلٌ لا محالة , فمن لم يمت بالسيف مات بغيره ..

رَحل وتركنا خلفه , ومعنا فلسطين , التي رفض زيارتها ذات نهار , مُعلناً بملء فيه : « أنا لا أَستطيع المرور عبر معبر يرفع العلم الإسرائيلي » , أَعلنها واضحةَ , مُجلجلة , لا لُبسَ فيها , بعدما إستطاب غيره الرجوع إليها , قالها ليتَردد صَداها ثانيةً , لحظةَ الاحتضار : « سيأتي يوم تزال فيها كل المعابر إلى فلسطـين »..

هكذا , تركنا في حضرة جسده المُسجى نُراود حُلمنا , ونُفتش عمن بقي على قيده ,,
فأن نفقد أحبابا لنا , ومُلهمين , فذاك امتحان عسـير ,,
أم أنه القضاء , وقد باغتنا , بعدما توسلنا , وصلينا بملء جوارحنا : " اللُـطف فيه "..

هنيئاً لروحك الطاهرةُ مثواها ,,
وهنيئاً لنا رُوحـكَ الباقـــية ...

أزمة اليسار العربي ..إلى أين ؟

القرّاء الكرام،

بمناسبة وفاة المناضل
د.جورج حبش، ننقل لكم احدى مقالاته الاخيرة و التي تتناول أزمة اليسار العربي كما يراها.

- لجنة الاشراف على المدوّنة


بقلم د.جورج حبش

لا يمكن الحديث عن أزمة اليسار العربي ، وأسباب حالة الانكفاء والتهميش التي وصل إليها اليوم دون مراجعة تاريخ هذه الحركة ، والوقوف أمام أخطائها ومنعطفاتها على مستوى التكتيك والاستراتيجيا . ولا بدّ أيضاً النظر إلى الموضوع من منظور تاريخي جدلي يدقق ويتفحّص الصيرورة التاريخية لحركة اليسار العربي ، وأهم المفاصل والمحطات التي مرّ بها ارتباطاً بالظروف الموضوعية والذاتية، الداخلية والخارجية.

إن نظرة تقويمية لحركة اليسار العربي ، تفتح باب الأسئلة حول تجارب الأحزاب اليسارية العربية . بجناحيها الشيوعي والماركسي القومي ، خاصة وأن كثيراً من القراءات لتجارب هذه الأحزاب باتت تسلّم بإخفاقها عن استيعاب ووعي حركة الواقع ، وبالتالي فشلها في تغييره . كذلك لا نستطيع التحدث عن يسار عربي دون أخذ واقع التجزئة بعين الاعتبار ، فعدم إنجاز مسألة الوحدة العربية كرّس الواقع القطري ، الذي أفرز بدوره قوى يسارية قطرية طرحت على نفسها برامج ومهمات على مستوى قطري ، أما الأحزاب اليسارية ذات التوجّهات العربية القومية فقد وجدت نفسها عاجزة عن التأثير والفعل العملي على مستوى القضايا القومية ، وانحصر جهدها في المستوى النظري ، حول إشكاليات القومية والأمة ,والعروبة, والتجزئة ,والوحدة ، وقد كُتب الكثير حول هذه القضايا من قبل مفكرين عرب يساريين ، وقوى وأحزاب ، لكن على الصعيد العملي تعمّق واقع التجزئة ، وتبخّر حلم الوحدة ، وتمزقت الهوية القومية إلى هويات جهوية مجزّأة، ولم تُنجز مهام التنمية والتحرر من التبعية للسوق الإمبريالية ، وتفاقمت المشكلات الاجتماعية التي عمّقت الفوارق الطبقية في المجتمعات العربية ، وانتشرت البطالة وتراجع مستوى التعليم والثقافة .... الخ, بمعنى آخر تجلّت أزمة اليسار العربي الذي ورث الأهداف التي طرحها " رواد عصر النهضة " في عجزه عن إنجاز أيّ من هذه المهام.

لقد طرح رواد عصر النهضة العربية من خلال احتكاكهم في أوروبا وتمثّل تجربتها ضرورة إجراء تحولات في الواقع العربي, تقوم على تحقيق التصنيع كأساس لتأسيس النمط الرأسمالي الذي يعني تدمير البنى الاجتماعية المتخلفة ( الإقطاع ), وهذا يعني بدوره تمثّل الفكر الذي تبلور مع نشوء الرأسمالية أعني فكر العقلانية القومية, والديمقراطية, والعلمانية ، وعلى هذا الأساس أصبحت مهام التوحيد القومي والتحديث الفكري مهمات جوهرية ، لهذا احتلت مسائل فصل الدين عن الدولة ، وتأسيس الوعي القومي ، وشكل النظام السياسي مسائل أساسية داعبت أحلام النهضويين العرب ، وبدأت ملامح هذه المسألة تظهر مع محمد علي باشا في بداية القرن التاسع عشر ، لكن هذا المشروع هُزم نتيجة تحوّل الرأسمالية العالمية إلى إمبريالية ، وبذلك قُطع الطريق على الصيرورة الطبيعية لنمو بلداننا ، مما ادخل مشروع التطور الرأسمالي في أزمة استمرت حتى أواسط القرن العشرين, حيث أصبحت الفئات الوسطى ( الريفية بشكل خاص ) أساس عملية التحويل التي طالت تدمير البنى القديمة ( الإقطاع ) وأسست لمحاولة بناء الصناعة كأساس للتحويل في إطار مشروع قومي يهدف إلى الوحدة العربية ، لكن تداخل مصالح الرأسمالية العالمية وتسابقها على نهب الدول المستَعمرة ومنها بلداننا العربية ذات البنى المتخلفة ، أوقع البرجوازية العربية في عجز منعها من إنجاز مهام التصنيع, التي استطاعت الرأسمالية في أوروبا إنجازها عبر تدمير البنى القديمة ، والنتيجة كانت عدم تحقيق أحلام النهضة ، وعجز البرجوازية عن إنجاز التصنيع الذي أدّى إلى تحوّلها إلى قطّاع التجارة والخدمات والمال والمرافق الاستهلاكية وابتعادها عن الصناعة ، وهذا ما انعكس على مستوى الوعي, والممارسة السياسية في تكريس الأزمات العميقة ، ممّا دفع بالفئات الوسطى والبرجوازية الصغيرة بعد تفاقم التناقضات إلى استخدام الجيش ( المؤسسة المستقرة الوحيدة ) كأداة انقلابية للوصول إلى السلطة في العديد من البلدان العربية, لكن هذا الخيار انقلب على أصحابه مع تطور التناقضات وانتشار الأوهام والوعي الزائف ، وهذا ما دفع القوى الماركسية التي تبنّت فكرة المشروع النهضوي في الثلاثينات, وخاصة في المشرق إلى أن تتراجع عن مقولاتها حول الوحدة القومية والاستقلال وآليات التطور ، والتنمية التي تضرب علاقة التبعية مع السوق الإمبريالية.

وكان عام 1937 هو عام القطيعة مع هذه المهمات ، ومع تفاقم إشكاليات الواقع بدأت القوى الماركسية اليسارية تتبنى مقولات الماركسية السوفيتية التي نتجت عن "الكومنترن" ، ومنها الموقف من قرار التقسيم عام 1947 الذي ترك ردود أفعال سلبية كثيرة في الأوساط الشعبية, والسياسية العربية ,والفلسطينية تجاه موافقة الحركة الشيوعية على قرار التقسيم ، وأذكر في هذا السياق الحوارات الساخنة التي كنا نخوضها مع الشيوعيين في أوساط الجامعة الأمريكية في بيروت التي كنت طالباً فيها في تلك الفترة . هذا الأمر خلّف شرخاً عميقاً في علاقات قوى اليسار وبشكل خاص بين الشيوعيين والقوميين, كان لها تداعيات سلبية كثيرة وكذلك كانت مقولة التطور اللارأسمالي ـ فيما بعد ـ التي راجت كثيراً في واقعنا في فترة من الفترات ، موضع خلاف لأنها جعلت القوى اليسارية ملحقة بالسلطات البرجوازية الهجينة الحاكمة في العديد من البلدان العربية ، حيث بدأت الدول العربية المستقلة حديثاً عن الاستعمار في الخمسينات تتطور كل منها حسب ظروفها الخاصة ، وطبيعة الأنظمة الحاكمة فيها ، التي وجدت مصالحها تكمن في تكريس مشاريع سياسية واقتصادية تخدم الطبقة السياسية الحاكمة الحديثة ، أكثر من خدمتها لتحولات اقتصادية ,واجتماعية جذرية على المستوى الوطني والقومي ، وهذا الأمر ترجم نفسه بالإثراء السريع للطبقة السياسية التي استفادت من نفوذها في الحكم حيث انتشر الفساد ، والمحسوبيات التي وسمت تلك المرحلة في معظم البلدان العربية ، وهذا ما نعنيه بتكريس واقع التجزئة من الناحية العملية , لأن التطور بات يجري وفق صيرورات قطرية ضيقة ، بمعزل عن المصالح القومية العليا للأمة العربية ، مما عمّق الشرخ والحدود الفاصلة بين البلدان والشعوب العربية ... وصولاً إلى المرحلة المتردية التي تعيشها المنطقة العربية الآن ، بعد احتلال العراق وتفاقم الأوضاع في فلسطين ، والتهديدات العسكرية الأمريكية المباشرة للبلدان العربية التي أعادت المنطقة إلى مرحلة الاستعمار.

إن شمولية الموضوع ، وتعقيداته تحتاج بالتأكيد إلى دراسات تحليلية معمقة في الفكر السياسي اليساري العربي وتجاربه ، للإجابة على هذه الأسئلة المتشعّبة ، إذ من الصعوبة بمكان الإحاطة بهذا الموضوع الشائك حول دور اليسار العربي من خلال مقالة كهذه ، مع ذلك سنحاول قدر الإمكان مقاربة الموضوع بتكثيف تصوّر شامل للمسألة بأبعادها الداخلية والخارجية.

إن مسألة وعي الواقع كإشكالية ، تفرض علينا مناقشة الرؤية ، أو الرؤى التي استند إليها اليسار العربي ، وتفحّص مشكلاتها ، ليس على المستوى النظري فحسب ، وإنما على مستوى القضايا العملية التي طرحها الواقع ذاته ، والمهمات والبرامج التي انبثقت عن هذه القضايا ، كي تفضي إلى وسائل حلّها وتجاوزها ، وأعني هنا مسائل القومية : الاستقلال , التجزئة ، التحرر ، الوحدة ، التنمية وأفق التطور الاقتصادي, والاجتماعي العربي ، والمهمات الأخرى التي يحددها الواقع العربي بتعييناته ، على اعتبار أننا لا زلنا في مرحلة التحرر الوطني الديموقراطي وخاصة في فلسطين والعراق ، حيث يفرض علينا واقع الاحتلال مهمات إضافية أساسية تتعلق بمواجهة الاحتلال ودحره .. مثل هذه المهام تتطلب أوسع مشاركة شعبية ، من قِبل جميع القوى الاجتماعية والطبقية الفاعلة ، التي عليها أن تنتظم في أطر جبهوية عريضة ، هي الصيغة الأكثر فعالية لإنجاز مهام الثورة الوطنية الديموقراطية ، التي يندرج ضمنها مواجهة الاحتلال ، والتحرر من التبعية ومحاربة التجزئة ، والوحدة, وإنجاز التنمية الاقتصادية والاجتماعية, وكل هذا يجب أن يرتبط بفهم عميق لمسألة الديموقراطية التي تتجاوز مسألة الحريات السياسية فحسب ، إلى مسألة تحصين البلدان العربية ضد التهديدات الخارجية المحتملة من خلال الإصلاح الداخلي الذي يستدعي أوسع صيغ التحالف الوطني العريض ، والمشاركة الشعبية في القرار السياسي, والاقتصادي, والاجتماعي الفاعل ، الذي يعني ضمناً إعادة المجتمع إلى دائرة الفعل ، بعد أن غُيّب طويلاً.

السؤال الذي يطرح نفسه دوماً في هذا السياق : لماذا أخفقت البرامج التي طرحها اليسار العربي في تحقيق التحولات المطلوبة على أرض الواقع ؟! ولماذا لم يصبح اليسار العربي قوة تغيير حقيقية ؟! ولماذا بدأ هذا اليسار بالضعف بعد انهيار الاتحاد السوفيتي والمنظومة الاشتراكية؟!

أعتقد أن أهم المشكلات التي أدّت باليسار العربي إلى أزمته ، وبالتالي إلى عدم إنتاج وعي مطابق لحركة الواقع العربي ، هو اعتماده بالدرجة الأولى على استعارة مقولات نظرية جاهزة ، أنتجتها الأحزاب الماركسية العالمية... وإسقاطها على واقعنا ، دون النظر في متطلبات هذا الواقع وإشكالياته . وذلك على اعتبار أن هذه الأحزاب قد حققت في حينه بعض الانتصارات والتحوّلات في بلدانها ، ثم تبيّن بعد انهيار الاتحاد السوفيتي والمنظومة الاشتراكية ، أن هناك ضرورة لإعادة النظر في كل التجربة الاشتراكية ودراستها ، خاصة وأن أصوات كثيرة تعالت بعد ذلك معلنة " موت الماركسية ". لكن السؤال : أية ماركسية هي التي ماتت ... هل هي ماركسية ماركس وانجلز ؟! أم الماركسية ـ اللينينية ؟! أم الماركسية الستالينية التي تعبّر عن الحقبة السوفيتية ؟! وما هي العلاقة بين الأنظمة الشيوعية التي تداعت وبين فكر ماركس؟!

إن السمات السلبية التي رافقت تجربة البلدان الاشتراكية ، لم تنجُ منها أيضاً بعض الأحزاب الشيوعية واليسارية التي لم تصل إلى السلطة ، بما في ذلك الأحزاب اليسارية العربية, وبالتالي بات من المشروع السؤال عن علاقة هذه السلبيات التي طبعت الأحزاب الشيوعية واليسارية عموماً بطابعها , وبين التراث النظري الماركسي باعتباره مرجعية تلك الأحزاب.

لقد سال الكثير من الحبر في نقاش تلك الأسئلة المحورية ,وقد اختلف المفكرون الماركسيون واليساريون عموماً حول تقييم هذه المسألة ، ومن جهتي, يهمني التأكيد في هذا السياق : إن انهيار الأنظمة الشيوعية التي كانت نتاج النظام الستاليني الشمولي ، لا يعني أن البديل هو الديموقراطية البرجوازية أو الليبرالية الجديدة كما يدعو البعض ، بل إنَّ البديل الحقيقي هو الديموقراطية الاشتراكية التي تعني ضمناً ليس الديموقراطية السياسية فحسب ، بل الديموقراطية بمفهومها الأوسع والأشمل, وبأبعادها الاقتصادية والاجتماعية والثقافية ، وهذا ما كانت تفتقده تجارب بلدان المنظومة الاشتراكية . إن الديموقراطية الغربية أو الليبرالية الجديدة ، ستظل خادعة طالما أنها لم تتحْ حيزاً واسعاً للاعتراف بالمنتجين كفاعلين سياسيين على مستوى الرقابة والقرار ، وبالتالي سوف تظل ديمقراطيتها ناقصة وشكلية.

إن تطور العولمة في صيغتها الأكثر وحشية " الأمركة " خلق نوعاً من الحراك الاجتماعي الجديد على مستوى العالم ... وقد بدأت حركة العولمة البديلة التي تضم في داخلها على المستوى العالمي أطيافاً واسعة من القوى والأحزاب اليسارية, وحركة أنصار البيئة, وهيئات المجتمع المدني ، تناضل بأشكال مختلفة من أجل بلورة صيغ فاعلة للمواجهة ، لكن للأسف ، لا تزال القوى الاجتماعية والحركات السياسية وهيئات المجتمع المدني في بلداننا العربية عاجزة أيضاً عن الانخراط في الحركة العالمية المناهضة للعولمة والأمركة .. لأنها لا تزال جنينية وغير متبلورة بشكلٍ كافٍ لتقوم بالجهد المنوط بها في سياسة هذه الحركة العالمية.

اليسار والوحدة العربية

شغلت قضية فلسطين والوحدة العربية حيّزاً هاماً من اهتمامات الحركة الشيوعية العالمية (الكومنترن ), والحركة الشيوعية المحلية منذ أواخر عشرينات القرن الماضي، وإذا عدنا إلى الوثائق الصادرة عن كونفرنس مشترك جرى بين الحزبين الشيوعيين السوري والفلسطيني عام 1931 ، وخاصة الوثيقة التي نُشرت بعنوان " مهمات الشيوعيين في الحركة القومية العربية " سوف نذهل لمدى مقاربة التحليل الماركسي الثوري الذي تنطوي عليه هذه الوثائق ، لنبض الشارع العربي آنذاك ، رغم بعض الأخطاء في تشخيص ( طبيعة الحركة والطبقات الاجتماعية ) " لقد اتخذت الأحزاب الشيوعية في فلسطين وسورية ومصر ، سنة 1929 وبعدها بناءً على توجيهات الكومنترن وتحت قيادته ، موقفاً واضحاً لا لبس فيه ولا تحايل ، في النقطة الجوهرية : تأييد الحركة القومية الرامية إلى الاستقلال والوحدة القومية ـ المعادية للإمبريالية ـ ضد الحركة الصهيونية .. الحليفة المتقدمة للقوى الإمبريالية وأداتها في المنطقة العربية ".

لقد ميّز لينين تمييزاً صارماً بين القومية المظلومة والقومية الظالمة ، وفرض على الأحزاب الشيوعية في أوروبا تأييد الأولى وشجب الثانية ... وقد أكدّت أدبيات تلك المرحلة " أن الوحدة العربية وقضية فلسطين هما قضيتان من قضايا النضال العالمي المناهضة للإمبريالية ، من قضايا الثورة الاشتراكية في العالم . أنهما القضيتان النوعيتان للنضال المناهض للإمبريالية في الوطن العربي ، وقد درج الماركسيون على القول أنهما فرع من الكل.

".... إن هذا الموقف الواضح من قضيتي فلسطين والوحدة العربية ، هو تجلٍّ للعلاقة بين الخاص والعام بين قضيتي الوحدة وفلسطين والنضال العنيد ضد الإمبريالية العالمية, الذي تجسّد بشكل خاص في واقع الفترة التي تبنّت فيها الحركة الشيوعية العالمية والمحلية قضية الوحدة وفلسطين بشكلٍ لا لبس فيه ، لأن تلك الفترة كانت فترة صدام كبير بين الاتحاد السوفيتي, والأممية الشيوعية من جهة, وبين العالم الرأسمالي الإمبريالي في ظرف الأزمة الاقتصادية العالمية وبناء الاشتراكية السريع في الاتحاد السوفيتي من جهة أخرى.

ولقد تغيّر هذا الموقف مع تطور الأحداث و تغيّر الظروف ، إذ بدأت الأحزاب الشيوعية تغيّر مواقفها هذه كانعكاس لتغيير مواقف الكومنترن ، من هذه القضايا ، رغم أن الإمبرياليات العالمية قد عملت بشكل حثيث على تمزيق الجسد الحي للشعوب العربية ، وأبقت الدول العربية في حالة من التجزؤ الإقطاعي ، وحرمت هذه البلدان من مقومات التقدم والنمو الاقتصادي والسياسي المستقل ، وكذلك عملت على تجميد ديناميات التوحيد القومي السياسي وخلق الحدود للبلاد العربية ، وساعدت على زرع الكيان الصهيوني في فلسطين قلب الوطن العربي ، وهكذا تحوّلت البلدان العربية حتى بعد استقلال بعضها إلى ملحقات دولُ المتروبول ، دولاً مستقلة شكلياً إلا أنها تابعة للسوق الإمبريالية من الناحية الفعلية ( زراعية ومنتجة للمواد الخام ) ، وهذا ما أفضى إلى بطء تشكّل طبقات المجتمع الرأسمالي ونمو عناصر السيادة القومية التي راحت تنمو بشكل عشوائي وغير منتظم ، وهذا ما سهّل التحالف بين الإمبريالية التي كانت تعمل على تأمين مصالحها ونهب شعوبنا ، وبين القوى الإقطاعية الرجعية العربية و الكومبرادورية التي سيطرت على السلطات في البلدان العربية, وجعلتها قواعد لسياسة الاغتصاب الإمبريالية العدوانية.

هذا الوضع خلق نقيضه فيما بعد ، مع عملية المد العربي التحرري ، وبدأت الطبقة العاملة الناشئة حديثاً وأحزابها ونقاباتها بالإضافة إلى حركة الفلاحين والبرجوازية الصغيرة تلعب دوراً فاعلاً في هذه العملية التحررية وقادت الأحزاب اليسارية بجناحيها الشيوعي والقومي الماركسي, بالإضافة إلى قوى اليسار الأخرى هذه العملية ، التي انضوى بعضها ضمن أحزاب الاشتراكية الدولية ، ومن هنا صار علينا أن نميّز ما بين أجنحة قوى اليسار, وأدوارها حسب الأحداث, والمراحل التاريخية التي مرت بها ، وبين القوى اليسارية الأكثر راديكالية والتي تبنّت مواقف وسياسات أكثر استقلالية ، لكن هذه القوى ظلت أيضاً عاجزة عن تحويل برامجها إلى إنجازات فعلية على أرض الواقع, وعاشت بالتالي أزمة من نوع جديد هي أزمة عدم القدرة على الفعل في الواقع ... وعلى المستوى الفلسطيني تعتبر حركة فتح بهذا المعنى ضمن اليسار الاشتراكي الدولي ... وكذلك حزب العمل الإسرائيلي ، ومن المعروف أن الاشتراكية الدولية وأحزابها لا تختلف في الغرب عن البرجوازيات الحاكمة إلا ببعض البرامج الاجتماعية الإصلاحية ، وهي تضم طيفاً واسعاً من القوى غير المتجانسة ... ومن هنا لا يمكن أن ننظر لليسار الإسرائيلي إلا باعتباره يساراً صهيونياً معادياً لمصالحنا الوطنية والقومية ، عمل على تنفيذ المشروع الصهيوني الاستيطاني في فلسطين طوال العقود الماضية ، كذلك نجد أنفسنا على خلاف مع الكثير من أطروحات يسار فتح أبو عمار الذي ينضوي أيضاً ضمن حركة الاشتراكية الدولية ، ويجسّد عملياً مصالح الفئات البرجوازية الفلسطينية التي استفادت بعد أوسلو من السلطة وحوّلتها إلى أداة للفساد, و المحسوبيات, والإثراء السريع وغير المشروع للفئات المستفيدة منها على حساب مصالح شعبنا الذي يواجه أعتى أشكال الاحتلال التي أفرزها عالمنا المعاصر ، وهو الاحتلال الصهيوني الاستيطاني الذي يريد أن ينفي شعباً بأكمله ويحل مكانه على أرضه وثرواته وتاريخه ... وإذا عدنا إلى نقطة البدء ، نرى أن إشكاليات الواقع ... تقتضي على ضوء المنهجية الجدلية التاريخية إعادة النظر في الكثير من القضايا وتحليلها تحليلاً معمقاً للوصول إلى وعي مطابق لإشكاليات الواقع يفرز على المستوى النظري برامج للخروج من هذه الأزمة المستعصية ، وعلى المستوى العملي التكتيك الملائم لإنجاز مهام تلك البرامج, وهذا يقتضي من اليسار العربي والفلسطيني مراجعة كاملة لكل المناهج والبرامج والمهمات المطروحة علينا, للخروج بفهم جديد يعيدنا إلى دائرة الفعل المؤثر في حركة الواقع .. على مستوى الاستراتيجيا والتكتيك الصحيح الملائم لظروف المرحلة الراهنة.

المطلوب فتح أوسع حوار بين أجنحة اليسار العربي ، لإعادة تحليل وتركيب كافة القضايا التي تواجه واقعنا العربي ، من أجل نهوض حركة اليسار العربي مجدداً ... ومن جهة أخرى تقتضي الأزمة المستعصية في الواقع العربي عموماً فتح باب الحوار أيضاً بين مختلف التيارات والحركات الفاعلة على اختلاف مشاربها الفكرية والأيديولوجية : الماركسية, والقومية, والإسلامية المتنورة ، إذ رغم الاختلاف على المستوى الإيديولوجي مع التيار الإسلامي فنحن نميّز بين التيار الإسلامي المقاوم للمشروع الإمبريالي الصهيوني, وبين التيار الظلامي الاستئصالي التكفيري الذي يرفض الحوار ويعتبر نفسه البديل المطلق لكافة التيارات الأخرى الفاعلة في الواقع العربي.